الاعتقال الإداري.. البدعة الصهيونية!

تابعنا على:   08:29 2022-09-26

سليم يونس الزريعي

أمد/ سلط الأسير الفلسطيني خليل العواودة الذي فرض على الاحتلال إطلاق سراحه بعد مواجهة خاضها من خلال حرب الأمعاء الخاوية، رفضاً لاعتقاله الإداري، عندما جعل من كل خلية في جسمه سلاحا في مواجهة سياسة الاعتقال الإداري دون تهمة، استمرت 170 يوماً بإرادة وعزم، مع
أنه يعي تماما أنه كان يمكن أن يدفع حياته ثمنا لموقفه في أي لحظة.
إن تجربة العوادة وغيره من أسرى الاعتقال الإداري تكشف هذا السلوك غير الإنساني للكيان الصهيوني بما يخالف كل القوانين والشرائع وحقوق الإنسان، وتكشف إلى أي حد تصمت منظمات حقوق الإنسان الدولية والغربية تحديدا، عن ممارسات هؤلاء النازيين المحتلين لفلسطين عبر سياسة الاعتقال الإداري غير محدد المدة وبدون تهمة.
إن الكيان الصهيوني وهو يحاول عبر سياسة الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة قانونية أو تحديد مدة الاعتقال، إنما يمارس إرهاب الدولة كون هذا الاعتقال مخالف للقانون الدولي الإنساني وأبسط معايير وقواعد القانون، التي تجرم سلب الحرية دون تهمه، مع حق من تسلب حريته معرفة تهمته حتى يستطيع الدفاع عن نفسه، وفق القاعدة التي تقول أنه "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، ولما كان التكييف القانوني لسلب الحرية يجعل منها عقوبة، فإن السؤال كيف تكون هناك عقوبة دون نص؟
وبهذا يشكل الاعتقال الإداري أحد أسوأ أشكال الحرب التي يمارسها الكيان الصهيوني ضد أبناء الشعب الفلسطيني من النساء والرجال، إضافة إلى الأشكال الأخرى على مدى سنوات ما بعد وجوده على الأرض الفلسطينية.
وخطورة هذا الشكل من الاعتقال أن كل فلسطيني يقيم في فلسطين هو مشروع معتقل إداري، دون أن يعرف لماذا؟ سوى أنه يمكن أن يفكر في القيام بعمل مناوئ للاحتلال؟ بمعني أن الاحتلال يستند إلى متخيل صهيوني، مفاده أن هذا المعتقل تدور في خلده نوايا لو جرى تظهيرها فهي ضد الاحتلال، فالاحتلال في الاعتقال الإداري يعتقل النوايا ولأن هذه النوايا تدور في رأس شخص معين، فهو والحال هذه محل اتهام يجب اعتقال نواياه، أي اعتقاله.
ويعرف الاعتقال الإداريّ بأنه حبس شخص دون محاكمة بدعوى أنّه يعتزم في المستقبل الإقدام على فعل مخالف للقانون، دون أن يكون قد ارتكب بعد أيّة مخالفة، ومع أن الاعتقال عقوبة فكيف يجري معاقب أي شخص دون جريمة واضحة محددة ومنصوص عليها في المدونات القانونية؟ .
ولأنها بدعة صهيونية، يجري الاعتقال الإداري للفلسطينيين دون محاكمة، وإنما استنادًا إلى أمر يصدره قائد المنطقة وباعتماد أدلّة وبيّنات سرّية - لا يطّلع عليها حتّى المعتقل نفسه. وهو إجراء يجعل المعتقل في وضع لا يُحتمَل إذ يقف عاجزًا في مواجهة ادّعاءات لا يعرفها، ومن ثم لا يملك طريقة لتفنيدها ودحضها لأنه لا توجد لائحة اتّهام أو محاكمة، ودون إدانة، حتى أنه لا يعرف متى سيطلق سراحه؟.
ويستخدم الكيان الصهيوني بدعة الاعتقال الإداري الذي يعود إلى قانون الطوارئ لسلطة الانتداب البريطاني في فلسطين عام 1945، في سياق سياسة الترهيب، لذلك فهو ينفذه بشكل روتينيّ، ولذلك اعتقل على مرّ السنين آلاف الفلسطينيين لفترات طويلة سالبا منهم إمكانية الدفاع عن أنسفهم أمام المزاعم السريًة الموجهة ضدهم.
ويوجد حاليا في زنازين الاحتلال نحو 650 معتقل إداري بينهم ثلاثة قاصرين، وأسيرتين وهما شروق البدن من بيت لحم، وبشرى الطويل من البيرة،علما أنه ومنذ مطلع العام الجاري أصدر الكيان الغاصب أكثر من 900 أمر اعتقال إداري.
وتتزايد أوامر الاعتقال الإداري أثناء الهبات والانتفاضات الشعبية، لأن سلطة الاحتلال تستخدم هذه السياسة لقمع وترهيب الفلسطينيين، فمثلا أصدرت قوات الاحتلال منذ العام 1967، ما يزيد عن (50,000) أمر اعتقال إداري، 24 ألفاً منها صدرت ما بين العامين 2000 و2014. وأثناء انتفاضة الحجارة، وصل عدد المعتقلين إدارياً في العام 1989 إلى ما يزيد على (1,700) معتقل، وفي العام 2003 إبان انتفاضة الأقصى بلغ عدد المعتقلين إدارياً (1,140) معتقلاً. ومنذ الهبة الشعبية عام 2015 حتى نهاية العام 2018، أصدرت سلطات الاحتلال 5068 أمر اعتقال إداري بين أمر جديد وتجديد لأمر.
بل إن ما تسمى بمحكمة العدل العليا لسلطة الاحتلال أجازت إصدار أوامر اعتقال إداري، دون تحديد مكان الاحتجاز بأمر الاعتقال نفسه، بالرغم أنه حسب الأوامر العسكرية الإسرائيلية وقانون الطوارئ (الاعتقالات) لعام 1979، يجب احتجاز المعتقلون الإداريون في أقسام منفصلة عن المعتقلين غير الإداريين، وجاء قرار المحكمة العليا لتسهيل مهمة الاحتجاز في أي مركز توقيف دون الالتزام باحتجاز المعتقل في مراكز خاصة فقط بالإداريين.
وقد أمضى معتقل فلسطيني 8 سنوات دون توجيه تهمة له، في حين كان في السابق إذا صدر الأمر لمدة 6 شهور وجب مراجعته قانونياً من قبل قاض عسكري مرتين خلال هذه الفترة، وهناك حق بالاستئناف على كل قرار يصدر من القاضي، أما منذ أبريل/نيسان 2002 أبطل هذا الإجراء وتجري المراجعة فقط مرة واحدة مع الحق بالاستئناف.
والمفارقة أن عملية الاعتقال الإداري تجري بشكل يخالف القيود التي وضعها القانون الدولي وبنود اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بالاعتقال الإداري وضوابطه ـ بأن احتفظ الكيان الصهيوني خلال السنوات بآلاف الفلسطينيين المعتقلين إداريا بصورة مستمرة دون إعطائهم حقوقهم في محاكمة عادلة أو الإفصاح لهم عن تهمتهم وغيرها من الحقوق التي تهدف إلى ضمان الحق في الحرية والاجراء العادل والحق في الدفاع والحق في البراءة .
وقد وضع القانون الدولي قيودا صارمة بخصوص تطبيق الاعتقال الإداري، بأن تسمح هذه القيود بالاعتقال فقط في الحالات الاستثنائية جدا، كوسيلة أخيرة تهدف إلى منع خطر لا يمكن إحباطه بوسائل أقل مسا، ووضعت هذه القيود على ضوء الخطر الواضح من الاستغلال السيئ للاعتقال الإداري .
إن الاعتقال الإداري يكشف طبيعة هذا الكيان النازي بسياساته غير الإنسانية في كل المجالات، وفي المقابل فهو يكشف نفاق الولايات المتحدة ودول الغرب التي طالما حاربت واعتدت على دول بذريعة حقوق الإنسان، لكنها تتجاهل جرائم الكيان الصهيوني، بل وتحميه في مواجهة القرارات الدولية والقانون الدولي، ولكن إلى متى ستستمر في ذلك، فيما العالم يتغير وربما تحين عندها ساعة الحساب..؟