نبيل فهمي: العالم العربي في طريقه لاستعادة "الشرق الأوسط"

تابعنا على:   16:30 2021-12-31

أمد/ القاهرة: قال وزير الخارجية المصري السابق، السفير نبيل فهمي، إن العالم يشهد تغيرات كثيرة خلال العام المقبل، منها عدم وجود دول كبرى، فضلاً عن تغير سياسات بعض الدول وعلى رأسها أمريكا التي تسلك نهجاً يبتعد عن التدخلات العسكرية الخارجية وتلجأ إلى الحروب الاقتصادية مع إعادة ترتيب أولوياتها، خاصة نحو الشرق الأوسط.

وأضاف فهمي في حواره لـ"الرؤية"، أن العالم العربي يمر بمرحلة فارقة تاريخياً خلال 2022 وعليه تكوين استراتيجية وتخطيط مستقبلي، فضلاً عن دعمه لإمكاناته في مجال الأمن القومي.

فيما يخص توقعاته للسياسة الأمريكية 2022، أكد أنه يجب وضع كل ذلك في إطار دولي عالمي باعتبار أن أمريكا دولة عالمية، وليست دولة كبرى؛ لأن سباق الدول الكبرى بالمعنى التقليدي انتهى، أمريكا لها مصالح في مختلف أنحاء العالم، سواء كانت أمنية أو سياسية أو اقتصادية، ولا يمكن أن تنعزل أو تتخلى عن أي منطقة بالعالم، المسألة إعادة ترتيب أولويات. الشيء الآخر أنه لا يمكن لأي دولة، حتى أمريكا، أن تفصل الوضع الخارجي لها عن الوضع الداخلي، ومن ثم هناك وضع دولي يتم إعادة تشكيله، وهناك أيضاً داخل الولايات المتحدة نفسها استقطاب شديد بين التيار اليميني واليساري، وعدم استقرار في التيار الوسطي، الذي كان يشكل في الأساس العمود الفقري للنظام السياسي الأمريكي.

وأشار إلى أن أمريكا في مرحلة بحث عن الذات داخلياً، وأحداث العقدين الماضيين من انتخاب جورج بوش الابن، ثم انتخاب نقيضه أوباما، ثم ترامب، وهو رئيس غير تقليدي على المستوى السياسي الأمريكي، ثم انتخاب الرئيس التقليدي جو بايدن، الذي كان جزءاً من النظام السياسي الأمريكي على مدى 40 عاماً مضت، هذه كلها دلالات على أن الأمور ليست واضحة، وأن هناك تعديلات في الأولويات.

ولفت إلى أن الشرق الأوسط ليس من أولويات الولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة المقبلة، لاعتبارين: الأول أن التركيز الأساسي السابق للولايات المتحدة على الشرق الأوسط كان جزءاً من المنافسة بين الدول الكبرى، في الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، والآن لا توجد حروب باردة، إذن فالوضع الاستراتيجي للشرق الأوسط لم يعد له أولوية. والسبب الآخر كان يرجع إلى اهتمام أمريكا بالحصول على الطاقة من الشرق الأوسط، وهو ما تلاشي أيضاً بعدما أصبح الاهتمام الأمريكي بالطاقة لا يخرج عن ضبط الأسواق العالمية وسعر الطاقة.

وأضاف فهمي، أن هذا لا يعني هذا أن أمريكا تستطيع الانسحاب بالكامل من المنطقة، لأنها دولة عالمية لها مصالح، وحضور، وأسواق، ومن ثم التعريف الأدق، هو أنه من السابق لأوانه تحديد موقف تفصيلي، إنما نستطيع التأكيد على أن الدور الأمريكي لن يكون مبادراً، ولن يكون متفاعلاً إلا إذا اضطُر إلى ذلك، وأعني هنا تفاعلها الأمني والعسكري، الذي سيكون ردة فعل في حدود منضبطة؛ لأن الساحة الأمريكية في الوقت الحالي مضطربة وتوجُّهها انعزالي.

وتابع: "الحديث عن انسحاب أمريكي من الشرق الأوسط كلام عبثي وغير جاد، المجتمع الأمريكي يشعر بإرهاق أمني من المواجهات والصدامات، وهو الآن غير محبذ لدخول الولايات المتحدة الأمريكية في صراعات عسكرية غير ضرورية، فقط يبحث عن تأمين المصالح، ودعم الحلفاء والأصدقاء في مناطق مختلفة عسكرياً وأمنياً، وليس حماية هؤلاء إلا إذا لزم الأمر، فالدخول في صراعات عسكرية جديدة مستعبد إلا في الضرورة "أقلمة النزاعات".

وعن سؤاله هل يمكن حضور قوى أخرى إقليمياً في ظل الموقف الأمريكي، أجاب قائلًا: "البديل لن يكون قوى كبرى أخرى، وإنما المجتمع الدولي يشهد الآن عولمة الأسواق وأقلمة النزاعات، بمعنى أن الأسواق أصبحت مفتوحة في إطار عصر العولمة، والنزاعات والخلافات سيكون التركيز عليها في المقام الأول بين الأطراف الإقليمية في كل منطقة من المناطق، ومن ثم الدور الأكثر فاعلية سيكون لأطراف إقليمية تقوم بأدوار مشروعة أو غير مشروعة، وهنا على الطرف العربي بشكل خاص مراعاة مجموعة من الاعتبارات، أهمها أن يكون له استراتيجية وتخطيط مستقبلي، ثانياً أن يدعم إمكاناته في مجال الأمن القومي حتى يحمي مصالحه في الإقليم، ويتم إعادة التوازن المخل حالياً لمصلحة أطراف غير عربية".

ورأى أن هناك بوادر لذلك في الثلاث سنوات الماضية، وإن كانت هذه الأمور تأخذ وقتاً، وهذه الدول وغيرها، تقوم الآن باستعادة دورها، ومن ثم فالبداية جيدة، وإنما الهدف ما زال أمامه طريق طويل.

وفيما يتعلق بأن يشهد عام 2022 حروباً عسكرية، اعتقد فهمي أن الحرب بالمعنى التقليدي- أي إن جيوشاً تتصارع مع بعضها البعض لمدة زمنية معينة- لم تعد الصيغة المعتادة الآن، ما شاهدناه في الآونة الأخيرة، وما قد نشهده مستقبلاً، عمليات عسكرية محددة تستهدف مواقع استراتيجية معينة ورد فعل مماثلاً لذلك، وسنشهد عمليات عسكرية تتجاوز حدود دولة لأخرى، هذا طبيعي سيحدث وهو ممكن، لكن لا أعتقد أن الساحة الدولية أو الإقليمية في الوقت الحالي لديها توجه نحو الحروب التقليدية، وفي اعتقادي أيضاً أن فرص التوصل لاتفاق في مفاوضات فيينا تضاءلت، لكن في المقابل، كلٌّ من الولايات المتحدة والأطراف الأخرى في المفاوضات، ومنها إيران، يفضلون تجنب الصدام، ويسعون للتوصل إلى اتفاق. قد تكون الظروف التي مرت صعّبت حدوث ذلك، لكن الحل قد يكون في اتفاق مرحلي كخطوة نحو الاتفاق الأشمل؛ تجنباً للتصعيد، وتخفيفاً للتوترات.

قلت إنه من الممكن أن نشهد عمليات عسكرية.. من المرجح أن تنشب بين أي أطراف، تابع: بالنسبة للاتفاق النووي الإيراني الدولي، ربما تكون هناك عمليات عسكرية سيكون الطرف المبادر فيها إسرائيل تجاه مواقع ومصالح معينة في إيران، ورد الفعل الإيراني قد يكون تجاه إسرائيل، أو تجاه مواقع أخرى في الشرق الأوسط، ليست بالضرورة إسرائيل فقط، أيضاً ربما يكون رد الفعل غير تقليدي، ويكون غير عسكري، فمن الممكن أن يكون سيبرانياً، في إطار الحرب السيبرانية أيضاً".

وبالنسبه لتوقعاته لشكل العلاقة بين الصين وأمريكا في ظل التوترات الحالية، أوضح أن هناك تناقض منهجي بين المفهوم الأمريكي والصيني لدورهما على المستوى الدولي، والتناقض قائم على أن الجانب الأمريكي يرى التجربة الأمريكية متميزة وفريدة، ويجب احترامها، ولا تحبذ أمريكا المنافسة القوية، هذه الرغبة في التميز تجعل واشنطن قلقة من ظهور أي قوى جديدة، والصين دولة طموحة للغاية، وبدأت في الخمسة أعوام الماضية تتحدث عن دورها الريادي في العالم، واقترح رئيسها في قمة دافوس منذ عامين، أن تقوم الصين بالدور الريادي في إعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية الدولية، ولم يكن هذا هو الحوار الصيني منذ عقد من الزمن، الصين كانت لا تُظهر طموحاتها قبل ذلك، إذا هناك قدر من التناقض المنهجي ومن ثم توتر.

وأردف: "في 2022 وما بعد ذلك، التنافس بين الصين وأمريكا حتمي، والتوتر ليس مفاجأة على الإطلاق، وفي رأيي الصراعات الصينية الأمريكية في المقام الأول ستكون صراعات اقتصادية، وليست عسكرية، فالتوازن العسكري الأمريكي الصيني ليس في مصلحة الجانب الصيني، وليس أيضاً في مصلحة أمريكا الدخول في صراع مع الصين عسكرياً. واستبعد قيام صراع عسكري أمريكي صيني في الخمسة أعوام المقبلة، وإذا كانت هناك أي احتمالية للصدام بين الدولتين، وسيكون هناك استثناء وحيد مرتبط أكثر بالساحة الآسيوية وليس بالساحة العالمية، حول قضية تايوان، ومن بعدها هونج كونج".

وعن سؤاله هل تعتقد استمرار السعودية في اليمن، واستمرار وجود الحوثيين على هذا النحو، أكد أن الحرب ليست البديل المفضل لأحد، ولكن من الضرورة في أوقات معينة، الوقوف مع الشرعية والتصدي لأي تصرف غير مشروع، السعودية استخدمت القوة نحو تحقيق هدف مشروع، ووقف العمليات العسكرية ليس مستحيلاً، في اعتقادي، لن تكون هناك خطوات نحو التهدئة في اليمن إلا عبر عودة المعادلة اليمنية بقيادة الحكومة المشروعة، وفي رأيي في جميع الأحوال، يجب عدم الصمت على أي تصرف غير مشروع.

ونوه إلى أنّ العقد الماضي شهد فراغاً عربياً تم استغلاله تركيّاً وإيرانيّاً وإسرائيليّاً، ففي الأعوام الثلاثة الماضية بدأت بعض الدول العربية في المبادرة بالتحرك تجاه بعضها البعض، وتجاه السعي لحل القضايا، وهناك حوارات عدة جذابة، على سبيل المثال الحوار الذي عُقد في نيويورك بوساطة عراقية بين دول إقليمية وغير إقليمية، ثم الذي انعقد في بغداد، بين عدد من الدول وغيرها، وهو يعكس اهتماماً عربياً بالتعامل مع القضايا الإقليمية المجاورة، والتصدي لها، وهناك أيضاً تحرك شاهدناه أخيراً من جانب الإمارات لسوريا، ونتوقع أن يكون هناك رد فعل سوري إيجابي تجاه الأطراف العربية المختلفة. هناك حوارات سعودية إيرانية، رغم أنها لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن، فإن السعي للحوار إيجابي وسليم، فالحوار وسيلة وليس غاية، وهناك قمة عربية في الجزائر تنعقد في مارس المقبل، متوقع أن يتم خلالها بوادر تحرك وتعاون عربي جديد، وهناك تحرك عربي للحل داخل ليبيا بكل مشاكلها، وداخل السودان مع كل ما به، تعكس رغبة عربية ووطنية في الوصول إلى حل، والانتقال من ظرف الطوارئ إلى إعادة بناء الدولة. مستقبل سوريا والعراق.

وفيما يخص توقعاته باستمرار حالة عدم الاستقرار في بعض الدول العربية أم سنشهد انفراجة؟، قال: "صعب القول إننا سنشهد انفراجة خلال عام، لكنني أرى أن الوضع في العراق في تحسن، يختلف تماماً عن الوضع في سوريا أو ليبيا، العراق تعرض لأزمة حادة، واضطرابات شديدة، واستغرق الخروج من هذه الأزمة مدة زمنية غير قليلة، ورغم ذلك لم تتحسن الأوضاع هناك بالكامل، لكنني أرى الوضع في العراق إيجابياً، وسينجح في الأعوام المقبلة، في استعادة الدور العراقي، ودعم هذا الدور إقليمياً، أما الوضع في سوريا فمختلف تماماً، هناك معادلة دولية وإقليمية وسورية، يجب أن نجد فيها توازناً، هذه المسألة أطول كثيراً، إذا كان هناك تغير في سوريا على المدى القصير، فسيكون استقراراً على الثبات، وليس على استقرار المستقبل، أما الوضع في ليبيا فصعب، والحل في ليبيا بين الأطراف الليبية، ويجب الابتعاد عن التدخلات الدولية".

هل من الممكن أن نشهد خلال 2022 عودة سوريا للجامعة العربية وحضور قمة الجزائر؟، أكد أنّه "أؤيد التحاور مع سوريا، وعودتها للساحة العربية، وأطالبها برد فعل يعكس اهتمامها بذلك، رغم أن هناك بعض الصعوبات التي تحول دون حدوث هذا على المدى القصير، فالصعوبات ما زالت كبيرة وموجودة، وعلى سوريا أن تبذل رد الفعل المناسب لهذه المساعي العربية، فالعالم العربي يمر بمرحلة فارقة تاريخياً، وعليه استعادة الشرق الأوسط، أو أن يجد نفسه تابعاً لأطراف غير عربية في العقود المقبلة".

اخر الأخبار