اتفاقية أوسلو

تابعنا على:   14:31 2021-09-15

أمجد عوكل

أمد/ كنت أركب في سيارة أجرة ، واستمع إلى المذياع .. فاذا بمذيع الأخبار يسرد خبراً يقول .. يصادف اليوم مرور  28 عاماً على اتفاقية العار المسماة " اتفاقية اوسلو" .. إلى آخر الخبر .

تلاه خبر آخر ..
تعقد فصائل المقاومة في قطاع غزة مؤتمراً تحت عنوان " أوسلو تدمر والمقاومة تعمّر " .. إلى آخر الخبر .
ضحكت قليلاً فانتبه سائق السيارة أنني أضحك .. فسألني : ما الذي أضحكك فجأة !!!

قلت : تحررت من السجن مع بدايات دخول السلطة الفلسطينية بفضل اتفاقيات اوسلو التي حررت أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني بعد توقيع هذه الاتفاقيات المسماة "اتفاق العار " حسب هذا المذيع ، إذ كان يتوجب أن أمضي عدة سنوات أخرى لانهاء محكوميتي التي كانت 12 سنة .. وبعد تحرري من السجون الإسرائيلية توظفت في مؤسسات سلطة  " اتفاقية العار "، وعاد أكثر من نصف مليون فلسطيني من الشتات بفضل اتفاقية العار ، وبنيت بيتي الذي هدمه الاحتلال في الانتفاضة الأولى بمساعدة سلطة " اتفاقية العار " ، و تم توظيفي وتوظيف عشرات آلاف الأسرى المحررين والخريجين الجامعيين والعاطلين عن العمل في مؤسسات سلطة "اتفاقيات العار" ، وتزوجت وصار لي أسرة وبيت ووظيفة وجواز سفر فلسطيني ، ورفاهية نسبية بفضل "اتفاقيات العار ".. وبعد العام 2007 لم يتبق "لاتفاقيات العار " في قطاع غزة  أي مكان ، بفضل إزاحتها عبر فصائل المقاومة عن سدة الحكم ، واستلام فصائل المقاومة لزمام الامور وتبوؤها سدة الحكم في هذا القطاع ..

وجاءت الحروب الاربعة في غضون 14 سنة ، دُمِّر بيتي فيها ثلاث مرات ، والحمدلله أن بيتي أعيد بنائه بفضل الدول المانحة التي وقعت اتفاقيات إعادة إعمار البيوت المدمرة مع سلطة " اتفاقية العار " ، ولولاهم لما عمّر بيت واحد منذ عام 2008 وحتى اللحظة ..

لم أرَ فصيل مقاوم واحد عمّر بيتي وبيوت الناس ، ولم أرَ فصيل مقاوم واحد شدّ من أزري خلال الحرب أو بعدها .. بل على العكس ، هُدِّدنا أثناء بعض الحروب الأربعة بعدم الخروج من بيوتنا والتجول في الشوارع ، لأننا ننتمي وظيفياً لسلطة " اتفاقية العار " ، بل أكثر من ذلك ، تم استغلال أصحاب البيوت المدمرة أسوأ استغلال من خلال فرض غرامات الترخيص على بيوتهم المدمّرة تحت ذريعة " أنك بنيت بيتك من جديد ، واستلمت اموالاً من الجهات المانحة لقاء اعادة إعمار بيتك ، فادفع لبلدية المقاومة رسوم ترخيص بيت جديد " …

بدلاً من اعفائهم من الرسوم والوقوف بجانبهم وشد أزرهم ..
في عهد المقاومة التي تعمّر تضاعفت مرات ومرات نسبة العنوسة للشباب والشابات نتيجة للفقر المدقع الذي يعيشه المجتمع .. فزادت نسبة الفقر و البطالة ، وأعداد المتسوّلين من الشباب والنساء الصبايا والأطفال .. بل صارت مهنة لبعضهم وعصابات تشكلت  للبعض الآخر ..

في عهد المقاومة التي تعمّر زادت نسبة الجريمة ومتعاطي المخدرات والانتحار حرقاً والهروب ( الهجرة ) الجماعية للشباب بل لعائلات بأكملها عبر البحار فمنهم من غرق و بات طعاماً لأسماك البحار ومنهم من فلّ بجلده ووصل لشواطئ الغربة ولتبدأ مرحلة شتاتٍ أخرى من جديد ..وهؤلاء تجاوزوا عشرات الآلاف ..

في عهد المقاومة التي تعمّر فُرضت ضرائب ومكوس وجمارك على بضائعنا وما نستهلكه من غازٍ وسولار وبنزين وسچائر وأسمنت وحديد وخلافه من مواد البناء ما لم تشهده أعتى الإمبرياليات والرأسماليات العالمية القائمة على النظام الضريبي .. بل تم استحداث قوانين جباية وأسموها بمسميات لم تخطر على بال بشر ..

في عهد المقاومة التي تعمِّر  باتت الحرّة تأكل بثديها ، و صارت تجارة الجنس عبر التسوّل رائجة ، و ما تقرير  الصحفية الرائعة "هاجر حرب " التي هوجمت لنشرها تحقيقها الاستقصائي إلاّ خير دليل على ذلك .. بل شاهدنا كل مظاهر الابداع في التسول بطرق تبهر كل مراقب ، من التسول الإلكتروني إلى التسوّل عبر عصابات النساء و الأطفال .. إلى تسوّل التعليم الجامعي ، وتسول ترميم بيوت الفقراء … وأوجه أخرى لا تعد ولا تحصى رأيناها في زمن المقاومة التي تعمّر ….

كل ذلك ما هو إلى وصمة عار على جبين كل من ادعى أنه بالمقاومة أعاد إعمار ما دمرته أوسلو  .

ظل سائق السيارة يستمع وهو فاغراً فاهه ، وكأني زدته إحباطاً .. وعندما لاحظ أنني توقفت عن الحديث .. ووسط تنهيدةٍعميقة قال :
" نحط على راسنا سَكَنْ أحسن .. الكل بيتآجر فينا من جهته .."
ضحكت من جديد وقلت لسائق السيارة .. 

ارجوك .. توقف هنا ، سأنزل وأتمشى في شوارع غزة المكلومة ، لأستنشق هوائها الملوث ببارود " العز والفخار  " .. الذي خلّصنا مما كنا نستنشقه من هواء "العار " .
وإنه لجهاد جهاد ..
نصرٌ أو استشهاد .

كلمات دلالية